المقريزي
259
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
في ثالث جمادى الأولى سنة ستّ وستين ، فنزل على الرّملة والقرمطيّ في أثره فهلك ، وقام من بعده جعفر القرمطي فحارب جوهرا ، واشتدّ الأمر على جوهر وسار إلى عسقلان ، وحصره أفتكين بها حتى بلغ من الجهد مبلغا عظيما ، فصالح أفتكين وخرج من عسقلان إلى مصر ، بعد أن أقام بها وبظاهر الرّملة نحوا من سبعة عشر شهرا ، فقدم على العزيز وهو يريد الخروج إلى الشّام . فلمّا ظفر العزيز بأفتكين واصطنعه في سنة ثمانين وثلاث مائة ، واصطنع منجوتكين التركي أيضا ، أخرجه راكبا من القصر وحده في سنة إحدى وثمانين ، والقائد جوهر وابن عمّار ومن دونهما من أهل الدولة مشاة في ركابه ، وكانت يد جوهر في يد ابن عمّار ، فزفر ابن عمّار زفرة كاد أن ينشقّ لها وقال : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه . فنزع جوهر يده منه ، وقال : قد كنت عندي يا أبا محمد أثبت من هذا ، فظهر منك إنكار في هذا المقام . لأحدثنّك حديثا عسى أن يسلّيك عمّا أنت فيه ، واللّه ما وقف على هذا الحديث أحد غيري : لمّا خرجت إلى مصر ، وأنفذت إلى مولانا المعزّ من أسرته ، ثم حصل في يدي آخرون اعتقلتهم ، وهم نيف على ثلاث مائة أسير من مذكوريهم والمعروفين فيهم ، فلمّا ورد مولانا المعزّ إلى مصر أعلمته بهم ، فقال : أعرضهم عليّ ، واذكر في كلّ واحد حاله ؛ ففعلت - وكان في يده كتاب مجلّد يقرأ فيه - فجعلت آخذ الرجل من يد الصّقالبة وأقدّمه إليه وأقول : هذا فلان ومن حاله وحاله ، فيرفع رأسه وينظر إليه ويقول : يجوز . ويعود إلى قراءة ما في الكتاب ، حتى أحضرت له الجماعة ، وكان آخرهم غلاما تركيّا ، فنظر إليه وتأمّله ، ولمّا ولّى أتبعه بصره . فلمّا لم يبق أحد قبّلت الأرض وقلت : « يا مولانا ، رأيتك فعلت لمّا رأيت هذا التركي ما لم تفعله مع من تقدّمه » ؛ فقال : يا جوهر ، يكون عندك مكتوما حتى ترى أنّه يكون لبعض ولدنا غلام من هذا الجنس تتّفق له فتوحات عظيمة في بلاد كثيرة ، ويرزقه اللّه على يده ما لم يرزقه أحد منّا مع غيره » . وأنا أظنّ أنّه ذاك الذي قال لي مولانا المعزّ ، ولا علينا إذا فتح اللّه لموالينا على أيدينا أو على يد من كان . « يا أبا محمد لكلّ زمان دولة ورجال ، أنريد نحن أن نأخذ دولتنا ودولة غيرنا ؟ لقد أرجل لي مولانا المعزّ ، لمّا سرت إلى مصر ، أولاده وإخوته ووليّ عهده وسائر أهل دولته ، فتعجب النّاس من ذلك ، وها أنا اليوم أمشي راجلا